عبد الملك الثعالبي النيسابوري

380

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

الإحرام ، وبركة الشهر الحرام ، وحين خيّمت بأصبهان أنهى سيدنا الأستاذ الفاضل أبو العباس أدام اللّه تمكينه خبري إلى الحضرة العالية ، حرس اللّه بهاءها وسناءها ، والناس ينظرون هل أقبل فيتلقوني بأكبر الرتب ، أم أسخط فيتحاموني كالبعير الأجرب ، فورد توقيع مولانا الصاحب الجليل ، كافي الكفاة أدام اللّه مدته ، وكبت أعداءه وحسدته ، بعالي خطّه ، وقد نسخته على لفظه ، ليعلم مولانا الأستاذ أدام اللّه عزه أن الكرم صاحبي لا برمكي ، وعبّادي لا حاتمي ، وأنّا نتجرّم ثم نتندّم ، ونميل على جانب الإدلال ، ثم لا نروى من الماء الزلال ، والتوقيع . ذكر مولاي أدام اللّه عزه عود أبي محمد الخازن أيده اللّه للفناء الذي فيه درج ، والوكر الذي منه خرج . وقد علم اللّه أن إشفاقي عليه في اغترابه ، لم يكن بأقل منه عند إيابه ، فإن أحب أن يقيم مديدة يقضي فيها وطر الغائب ، ويضع معها أوزار الآئب . فليكن في ظلّ من مولانا ظليل . ورأي منه جميل ، وبرّ من ديواننا جزيل . وإن حفزه الشوق فمرحبا بمن قرّبته التربية لدينا ، فأفسدته الغرّة علينا « 1 » ، وردته التجربة إلينا . وسبيله أن يرفد بما يزيل شغل قلبه بعياله ، ويعنيه على كل ارتحاله ، إن شاء اللّه تعالى . هذه نسخة التوقيع الوارد على سيدنا الأستاذ أبي العباس ، أدام اللّه عزه في معناي ، فلا جرم أني أخذت مالا ، وأغنيت عيالا ، وقلت ليس إلّا الجمازة والمفازة « 2 » ، فصبحت جرجان مسى عاشرة أهدى من القطا الكدرى ، كأني دعميص الرمل أستاف أخلاف الطرق « 3 » ، وأنا مع ذلك أحسب العفو عنّي حلما ، ولا أقدر ما جنيت يعقب حلما ، فكأنّي ما خطوت إلّا في التماس قربه ، وما أخطأت إلّا لتأثيل حرمه « 4 » ، وكأني لم أفارق الظل الظليل ، وأخذ فيّ بقول اللّه

--> ( 1 ) الغرّة : الجهل . ( 2 ) الجمازة : الإسراع في الأرض ، والمفازة : الأرض الكثيرة الهلكة . ( 3 ) الدعميص : التلّ والكثيب الصغير ، وأستاف : أضرب بعضها ببعض . ( 4 ) تأثيل : تمجيد ، والأثيل : الأصيل .